الآلوسي

134

تفسير الآلوسي

وقوله سبحانه : * ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) * * ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقَيامَة فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) * على الأول : استئناف وقع جواباً لمن سأل عن حال المتبوع والتابع مآلاً ، وعلى الثاني : تفسير وإيضاح لعدم صلاح عاقبته أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته ، وجملة * ( وما أمر ) * الخ جوز أن تكون حالاً من فاعل - اتبعوا - وأن تكون حالاً من مفعوله قيل : وهو مختار الزمخشري ، والمراد بالقوم ما يشمل الملأ وغيرهم ، و * ( يقدم ) * كينصر من قدم - كنصر - بمعنى تقدم ، ومنه قادمة الرحل ، وهذا كما يقال : قدمه بمعنى تقدمه ، ومنه مقدمة الجيش وأقدم بمعنى تقدم ، ومنه مقدم العين فإنه بالكسر لا غير كما قاله المرزوقي ، ومثله مؤخر العير كما في المزهر ، والمراد من أوردهم يوردهم ، والتعبير به دونه للإيذان بتحقق وقوعه لا محالة ، والقول : بأنه باق على حقيقته - والمراد فأوردهم في الدنيا النار أي موجبها وهو الكفر - ليس بشيء ، ونصب النار على أنه مفعول اثن - لأوردهم - وهي استعارة مكنية تهكمية للضدّ وهو الماء ، وفي قرينتها احتمالاً كما شاع في * ( ينقضون عهد الله ) * ( البقرة : 27 ) وعلى احتمال المجاز يكون الإيراد مستعاراً استعارة تبعية لسوقهم إلى النار . وجوز أن يقال : إنه شبه فرعون بالفارط وهو الذي يتقدم القوم للماء ففيه استعارة مكنية ، وجعل اتباعه واردة وإثبات الورود لهم تخييل ، وجوز أيضاً جعل المجموع تمثيلاً . وجوز بعضهم كون * ( يقدم ) * وأورد متنازعين في النار إلا أنه أعمل الثاني وحذف مفعول الأول وليس بذلك . * ( وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ ) * أي بئس الورد الذي يردونه النار لأن الورد إنما يورد لتسكين العطش وتبريد الأكبار وفي النار تقطع الأكباد واشتعالها كذا قيل ، فالورد على هذا بمعنى النصيب من الماء * ( والمورود ) * صفته ، والمخصوص بالذم محذوف وهو النار ، وتعقب بأنه لا بد من تصادق فاعل * ( بئس ) * ومخصوصها ولا تصادق على هذا ، وأيضاً في جواز وصف فاعل - نعم . وبئس - خلاف ، وابن السراج ، والفارسي على عدم الجواز . وجوز ابن عطية كون ( المورود ) صفة والمخصوص الناس إلا أنه جعل الكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، فالتصادق حاصل في الحقيقة أي - بئس مكان الورود المورود النار - ومنهم من يجعل * ( المورود ) * هو المخصوص بالذم ، والمراد به النار ، ويقدر المضاف ليحصل التصادق أيضاً أي - بئس مكان الورد النار - ومن يجعل الورد فاعل * ( بئس ) * ويفسره بالجمع الوارد . و * ( المورود ) * صفة لهم والمخصوص بالذم ضميرهم المحذوف أي - بئس القوم المورود بهم هم - فيكون ذماً للواردين لا لموضع الورود . * ( وَأُتْبِعُواْ فِى هَاذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) * * ( وَأُتْبِعُوا ) * أي الملأ الذين اتبعوا أمر فرعون ، وقيل : القوم مطلقاً * ( في هَاذه ) * أي في الدنيا * ( لَعْنَةً ) * عظيمة حيث يلعنهم من بعدهم من الأمم * ( وَيَوْمَ الْقيَامَة ) * أيضاً حيث يلعنهم أهل الموقف قاطبة فهي تابعة لهم حيثما ساروا ودائرة أينما داروا فكما اتبعوا أمر فرعون اتبعتهم اللعنة في الدارين جزاءاً وفاقاً . وقال الكلبي : اللعنة في الدنيا من المؤمنين أو بالغرق ، ويوم القيامة من الملائكة أو بالنار . * ( بَئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ ) * أي بئس العون المعان كما نقل عن أبي عبيدة ، والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم ، ويكون * ( الرفد ) * بمعنى العطية كما يكون بمعنى العون . قال أبو حيان : يقال : رفد الرجل يرفده رفداً ورفداً إذا أعطاه وأعانه من رفد الحائط دعمه ، وعن الأصمعي الرفد بالفتح القدح . والرفد بالكسر ما فيه من الشراب ، وقال الليث : أصل الرفد العطاء والمعونة ، ومنه